ابن حزم

71

رسائل ابن حزم الأندلسي

مملكتان سلمتا من الآفات على مر الدهور . على أن أهل الصين ليسوا أهل علوم البتة ، وإنما هم أهل صناعات ، فلعل هذا يكون بالهند . فإن لم يكن فمضمون عدمه من العالم - هذا إلى ما في شروط علم القضاء من الصفات التي لا سبيل لمن يدعي علمها إلى استيفائها « 1 » : من معرفة مواقع السهام ومطارح الشعاعات والدرج النيرة والمظلمة ، والقتمة والآبار « 2 » ، وخواص الدراري في كل برج ، والكواكب البيبانية « 3 » وغير ذلك مما لا يمكنهم توفيته حقه على أصولهم . فإذا كان ذلك كذلك ، فتحقيق علمهم في القضاء لا سبيل إليه البتة ؛ ولا يحصى كم شهدنا لهم من القضايا المحققة المتفق عليها من أهل الإحسان لهذا العلم ، على ما في كتبهم ، فما صدق منها شيء إلا الأقل النزر الذي يصدق بالتقدير أكثر منه ، نعني من المواليد التي لا شيء في علمهم أحق منها . وأما المناخات وتحاويل السنين والقرانات الصغار فيعلم اللّه أننا ما رأيناهم صدقوا منها في قضية أبدا ، كلّ سنة رأينا ، وما وجدنا أكثر كلامهم في ذلك إلا على ظاهر الرأي والتقدير فقط « 4 » ، ولو لم يكن من ظاهر الدعوى إلا قولهم زحل يشرف في برج كذا ، ويسقط في برج كذا « 5 » ، وكذا سائر الدراري . ودعواهم في وجوه المطالع وسائر تلك الخرافات ، فإنهم لا يأتون على ذلك لا ببرهان ولا بإقناع ولا بشغب وإنما هو « اسمع واسكت وصدق الأمير » . وما كان هذا سبيله فلا ينبغي أن يشتغل به عاقل اشتغال معتدّ به علما ، إلا أنه لا ينبغي لطالب الحقائق أن يخلو من النظر فيه ليعرف أغراضهم ، ويريح نفسه من تطلعها إلى الوقوف [ عليها ] ، وليفيق من دعاويهم ومخرقتهم ، ويزيل عن نفسه الهمّ إذا عرف أنه لا فائدة فيه . ولقد حدثني شيخنا يونس بن عبد اللّه القاضي « 6 » قال :

--> ( 1 ) انظر العبارة التالية في شروط علم القضاء مكررة نصا في الفصل 5 : 38 وهي محرفة أيضا هنالك . ( 2 ) ص : والقيمة والآثار . قال الخوارزمي في مفاتيح العلوم : 132 « والدرجات المظلمة درج معروفة والدرجات القتمة من القتام وهو الغبار ، والآبار درج في البروج إذا عنها الكواكب نحست فيها ، واحدها بئر » . ( 3 ) ص : البنيانية ، وتكتب أيضا « البيابانية » نسبة إلى بيابان وهو الفلاة بالفارسية إذ يهتدى بها في الفلوات . أفادنيه صديقي الدكتور جورج صليبا ، فله الشكر . ( 4 ) راجع الفصل 5 : 39 . ( 5 ) شرف الكوكب درجة في برج ينسب إليه ولكل واحد من السبعة سر . فشرف زحل في الميزان وشرف المشتري في السرطان وشرف المريخ في الجدي . . . وهكذا ؛ والذي يقابل الشرف هو الهبوط أو السقوط . ( 6 ) مرت ترجمته في الجزء الأول من الرسائل ص : 214 .